نخبة من الأكاديميين
868
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
خلقها ابتداءً ، وأحدثها ولم يذمها . وإذا كان خلق الخلق فيها ، وأحوجهم إليها ، ورغبهم فيها ، ووضع الأسباب الموجبة لميلهم إليها ، ولعشقهم عليها ، فكيف يعقل أن ينفرهم ، وأن يأمرهم بالمباعدة عنها ؟ أما إذا قدرنا أن النفس عشقت التعلق بهذه الجسمانيات ، ثم علم الإله الحكيم أن ذلك التعلق سبب للعناء والبلاء ، فههنا يحسن منه أن يحذرهم منها ، وأن يأمرهم بالاحتراز عنها . ومثاله قوله تعالى : " زين للناس حب الشهوات " . فقال بعضهم : ذلك المزين هو إبليس . فقيل : فيلزم أن يفتقر إبليس [ إلى إبليس آخر ] ولزم التسلسل . وإن كان المزين هو الله ، فكيف يليق بالرحيم [ الكريم ] الحكيم أن يسعى في تزيينه ، ثم يأمره بالاحتراز عنه . أما إذا حملناه على أن عشق النفس على الهيولى أمر اتفق له ، وصار لازماً له ، فههنا يحسن من الله [ تعالى ] أن ينبه الإنسان للحذر والاحتراز . فهذا تمام الكلام في تقريره هذا القول . واعلم : أن الفلاسفة الذين يقولون إن إله العالم موجب بالذات ينكرون هذا المذهب . لأنه من فروع القائلين بالفاعل المختار . والفلاسفة ينكرون القول بالفاعل المختار ، فوجب أن يكون إنكارهم لهذا القول أشد . فأما القائلون بإثبات [ الإله ] الفاعل المختار : فالذين يقولون : إنه لا يجب أن تكون أفعال الإله واقعة على وفق مصالح الإنسان لا يلتفتون إلى هذا المذهب ، لأن مدار الحجة في هذا المذهب على أنه رحيم كريم ، فوجب أن لا يفعل فعلًا ، يفضي إلى الألم والضرر . فإذا قلنا : إن تحسين العقل وتقبيحه باطل ، وإنه يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، فهذا الكلام ساقط بالكلية . أما المعتزلة الذين سلموا أن تحسين العقل وتقبيحه يجريان في أفعال الله ، وفي أحكامه ، فكلام محمد بن زكرياء متوجه عليهم . وإلزاماته لازمة عليهم . وله مناظرة طويلة مع أبي القاسم الكعبي . ولم يقدر الكعبي على الخروج من يده ، ومن الانفصال عن سؤالاته في مسائل التعديل والتجويز " . وبهذا نتعرف في الرازي على فيلسوف يختار تخفيض القدرة الإلهية بشكل كبير لإنقاذ العدل الإلهي . يظل الله ، في نظره مختاراً وقادراً ، ولكنه لا يستطيع اختيار إلا ما يسعه فعله لمعالجة عالم معاند . والعلاج يمر بإرسال الأنبياء ودورهم تبليغ الكلمة الإلهية الطيبة ، أي تقريع البشر بسبب ميولهم الخبيثة . وليس صحيحاً أن الرازي يعترض على الأنبياء . كل ما يفعله في الواقع لا يتجاوز رفضه للمعجزات ما فوق الطبيعية . فالعالم إذن هو في أصلح وضع ممكن لا بمعنى أن حالة أكثر صلاحاً تصبح متناقضة منطقياً ( تلك بالأحرى نظرية الكندي وثابت بن قرة ) ، بل بمعنى أن الحد الأقصى من الشفاء الذي يستطيع الله تأمينه للعالم ، عن طريق الأنبياء ، إنما يقف عند هذا الحد . ج ) الفارابي هنالك شيء من المبالغة بالطبع في تصنيف الفارابي بين " المعادين للأرسطية " . فالفارابي يبدي احتراماً كبيراً لأرسطو ، وهو كرس شطراً كبيراً من نشاطه لشرحه بشكل تفصيلي . وإذا كنت قد سمحت